مصطفى صادق الرافعي
20
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
وإلا أشكال من هذه التراكيب الكلامية ، ثم فتنة متماحلة « 1 » لا تقف عند غاية في اللجاج والعسر . وقد كان هذا كله من أمرهم وعلمهم ، وكان له زمن وموضع ، وكانت تبعثهم عليه طبيعة ورغبة ، والمرء بروح زمانه أشبه ، وبحالة موضعه أشد مناسبة ولا بد من طبقة في الموافقة بين الأشياء وأسبابها . فإن تكن هذه الحوادث هي تاريخ الناس ، فإن الناس أنفسهم تاريخ الحوادث . ولا نطيل عليك باستقصاء القول في آرائهم وكتبهم في الإعجاز ، فإن شيئا من ذلك تفصيل يقع في موضعه مما تستقبل من هذا الكتاب ؛ ولكنا ننبهك إلى ما قسمناه لك من الرأي في هذا الموضع ، وما تكلفناه من الخطة في هذا التأليف ، فإنا لم نسقط عنك كل المؤمنة ، ولم نعطك إلى حدّ الكفاية التي تورث الاستغناء ، بل نهجنا لك سبيلا إلى الفكر تتقدم أنت فيه ، وأعنّاك على جهة في النظر تبلغ ما وراءها ، وتركنا لك متنفسا من الأمر تعرف أنت فيه نفسك ، وجمعنا لك بالحرص والكدّ ما إن تدبّرته وأحسنت في اعتباره وأجريته على حقه من التثبت والتعرف ، كان لك منبهة إلى سائره ، ومادة فيما يجيش إليك من الخواطر التي لن تبرح ينمي بعضها بعضا . ولسنا نزعم - حفظك اللّه - أن كتابنا هذا على ضعفه وقلة الحشد فيه « 2 » قد أحاط بوجوه الإعجاز من كتاب اللّه ، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ، وأنا لم ندع من ذلك لغيرنا ما يرفعه أو يضعه وما ينقصه أو يتمّه ، فإن من ادّعى ذلك زعم باطلا ، وأكبر القول فيما زعم وبلغ بنفسه لعمري مبلغا من السّرف لا قصد معه في التهمة له وسوء الظن به ، ودعا إليه من النكير ما لا قبل له برده أو بسط العذر فيه ، وكان خليقا أن يكون قد جاء ببهتان يفتريه بين يديه ، وأن يكون ممن لا يتحاشون الكذب الصرف ، ولا يضنّون بكرامتهم على الألسنة . فإن مكاره هذا البحث مما لا يسعه طوق إنسان وإن أسرف على نفسه من القهر ، ولا يصلب عليه قلم كاتب وإن كان هذا القلم في يد الدهر ، ولا بدّ للباحث في أوله من فلتات الضجر ، وإن اعتدّ ، وفي أثنائه من سقطات العزم وإن اشتدّ ، وفي آخره من العجز والانقطاع دون الحدّ . على أنا مع ذلك استفرغنا الهمّ ، والتمسنا كل ملتمس ، وبرئنا إلى النفس من تبعة التقصير فيما يبلغ إليه الذرع أو تناله الحيلة ، فنهضنا لذلك الأمر نهضا وسبكنا فيه سبكا محضا ، فإن قصّرنا فضعف - ساقه العجز إلينا ، وإن قاربنا فذلك من فضل اللّه علينا .
--> ( 1 ) متطاولة لا تكاد تنقضي . ( 2 ) الحشد : الجمع .